ابو بكر يمنع من كتابة الحديث
أبو بكر يمنع من كتابة السنّة النبويّة
وكذلك يفعل بعده عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان
إنّ الباحث إذا ما قرأ كتب التّاريخ، وأحَاط ببعض الخلْفيّات التي توخّتها حكومة الخلفاء الثلاثة، علم عِلم اليقين بأنّهم هم الذين منعوا من كتابة الحديث النّبوي الشريف وتدوينه، بل منعوا حتى التحدّث به ونقله إلى النّاس; لأنّهم بلا شكّ علموا بأنّه لا يخدم مصالحهم، أو على الأقل يتعارض ويتناقض مع الكثير من أحكامهم، وما تأوّلوه حسب اجتهاداتهم، وما اقتضته مصالحهم.
وبقي حديث النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، بل هو المفسّر والمبيّن للمصدر الأوّل ألا وهو القرآن الكريم، بقىّ ممنوعاً ومحرَّماً على عهدهم، ولذلك اتفقت كلمة المحدّثين والمؤرّخين على بداية جمع الحديث والتدوين في عهد عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) أو بعده بقليل.
فقد نقل البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: أنظر ما كان من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاكتبه، فإنّي خفتُ دروس العلم وذهاب العلماء، ولا يقبل إلاّ حديث النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليفشوا العلم، وليجلسوا حتّى يُعلَّمَ من لا يعلمُ، فإنّ العلمَ لا يهلكُ حتّى يكون سرّاً.
فهذا أبو بكر يخطب في النّاس بعد وفاة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلا لهم: إنّكم تحدّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث تختلفون فيها، والنّاس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه(1).
عجيبٌ والله أمر أبي بكر! ها هو وبعد أيام قلائل من ذلك اليوم المشـؤوم الذي سُمِّيَ برزيّة يوم الخميس، يُوافق ما قاله صاحبه عمر بن الخطّاب بالضّـبط عندما قال: إنّ رسول الله يهجر وحسبنا كتاب الله يكفينا!!
وها هو يقول: لا تُحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه.
والحمد لله على اعترافه صراحة بأنّهم نبذوا سنّة نبيّهم وراء ظهورهم، وكانت عندهم نسياً منسياً!!
والسّؤال هنا إلى أهل السنّة والجماعة الذين يدافعون عن أبي بكر وعمر، ويعتبرانهما أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا كانت صحاحكم كما تعتقدون تروي بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "تركت فيكم خليفتين ما إن
____________
1- تذكرة الحفاظ للذهبي 1: 3.
تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً: كتاب الله وسُنَّتي" ـ على فرض أنّنا سلّمنا بصحّة هذا الحديث ـ فما بال أفضل الخلق عندكم يرفضان السنّة، ولا يقيمان لها وزناً، بلْ ويمنعان النّاس من كتابتها والتحدّث بها؟! وهل من سائل يسأل أبا بكر في أيّ آية وجدَ قتال المسلمين الذين يمنعون الزكاة، وسبي نسائهم وذراريهم؟!
فكتاب الله الذي بيننا وبين أبي بكر يقول في حقّ مانعي الزكاة: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}(1).
وباتفاق جميع المفسّرين، فإنّ هذه الآيات نزلت بخصوص ثعلبة الذي منع الزكاة على عهد النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أضف إلى ذلك بأنّ ثعلبة منع الزكاة، وامتنع من أدائها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه أنكرها وقال هي جزية(2).
وقد شهد الله في هذه الآيات على نفاقه، ومع ذلك فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقاتله، ولم يأخذ أمواله بالقوة، وكان قـادراً على كلّ ذلك، أمّا مالك بن نويرة وقومه فلم ينكروا الزكاة كفرض من فروض الدّين، وإنّما أنكروا الخليفة الذي استولى على الخلافة بعد الرسول بالقوة والقهر، وانتهاز الفرصة.
ثمّ إنّ أمْر أبي بكر أغرب وأعجب عندما نبذ كتاب الله وراء ظهره، وقد
____________
1- التوبة: 75 ـ 77.
2- تفسير الطبري 10: 242، تفسير ابن كثير 2: 388، زاد المسير لابن الجوزي 3: 321.
احتجّت به عليه فاطمة الزّهراء سيّدة نساء العالمين، وتلتْ على مسامعه آياتٌ بيّنات محكمات من كتاب الله الذي يُقرّ وراثة الأنبياء، فلم يقبل بها ونسخها كلّها بحديث جاء به من عنده لحاجة في نفسه!! وإذا كان يقول: إنَّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والنّاس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. فلماذا لم يفعل هو بما يَقول عندما اختلف مع بضعة المصطفى الصدّيقة الطّاهرة، في حديث النّبي "نحن معشر الانبياء لا نوّرث" ولم يحتكم معها إلى كتاب الله، فيُحِلّ حلاله ويُحرّم حرامه؟
والجواب معروف، في تلك الحالة سوف تجد كتاب الله ضدّه، وسوف تنتصر عليه فاطمة في كلّ ما ادّعته ضدّه، وإذا ما انتصرت عليه يومها فسوف تحاججه بنصوص الخلافة على ابن عمّها، وأنّى له عندئذ دفعها وتكذيبها، والله يقول بهذا الصدد: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَـقُولُونَ مَا لا تَـفْعَلُونَ * كَـبُـرَ مَـقْتاً عِنْدَ اللّهِ أنْ تَـقُولُوا مَا لا تَـفْعَلُونَ}(1).
نعم، لكلّ ذلك ما كان أبو بكر ليرتاح إذا ما بقيت أحاديث النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متداولة بين النّاس، يكتبونها ويحفظونها ويتناقلونها من بلد لآخر ومن قرية لأُخرى، وفيها ما فيها من نصوص صريحة تتعارض والسّياسة التي قامت عليها دولته، فلم يكن أمامه حلاّ غير طمس الأحاديث وسترها بل ومحوها وحرقها.
____________
1- الصف: 2 ـ 3.
فها هي عائشة ابنته تشهد عليه، قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله، فكانتْ خمسمائة حديث، فبات يتقلّب، فقلت: يتقلّب لشكوى أو لشيء بلغه، فلما أصبح قال: أي بنيّة هلمّي الأحاديث التي عندك فجئته بها، فأحرقها... الحديث(1).
|